‏إظهار الرسائل ذات التسميات تكست جريدة ثقافية شهرية مستقلة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تكست جريدة ثقافية شهرية مستقلة. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 14 نوفمبر 2010

تكست -العدد الثامن : مراجعات - المسرح الكردي من الأثنوفرجة الى التجريب - كتب حميد عبدالمجيد مال الله





    مراجعات



المسرح الكردي من الأثنوفرجة الى التجريب


·        حميد عبدالمجيد مال الله


         
    يرى المؤلف ان المسرح ( الوافد الحديث ) ظهر في السليمانية المدينة الأكثر تطوراً بواسطة المثقفين ، ثم في باقي المدن وهو ( مدرسي ) غالباً ، إضافة الى الهواة والجمعيات الفنية والنوادي كحاضنات له .
   الفضاء النصي لتلك العروض مرّ بعملية ( الأعداد عن ....  ) أرى انها ( تدوير درامي ) بمستوى ما لمادة أدبية : كما الشعر والحكاية الشعبية ، والملاحم والأساطير ... تدوير بمعنى إعادة إنتاج للمرجع وفق نظم ومواصفات جنس المسرح .



   ويطلق على المراجع مفردات : فطرية ، عروض مرتجلة ، مسرح تعازٍ ، مشاهد تمثيلية ، حكواتي – قصة خون .  وهي كما اقترح ، فنون مستقلة لكل منها سماتها وخصائصها تدعى فنون الأثنوفرجة .



    ويرجع ظهور مسرح متطور مع بروز دورالكاتب المحلي ، وبتأسيس ( فرقة السليمانية للتمثيل 1969 )  وبزيادة أعداد المتخرجين من معهد الفنون الجميلة وكلية الفنون في بغداد . وفاعلية الرعيل الأول ومنهم الرائد احمد سالار والفنانة بديعة دارتاش والدكتور فاضل الجاف .  تلته ( فرق ) مدججة بالثقافة المسرحية في السبعينيات والثمانينيات لها دورها بتقديم مسرحيات عالمية وعراقية وعربية بعد ترجمتها .   ويحدد ( طور الاحتراف ) بتأسيس فرقتي ( مسرح سالار في السليمانية 1984 و( أربيل للتمثيل ) 1985 حيث ضمّتا كوادر متمرسة ، وسارتا على نهج تفضيل النص المستوحى من التراث ويرى ان فناني كردستان بنوا تجربتهم ذاتياً بعيداً عن المركز بغداد منذ 1991 تحت اسم ( منظمة فناني كردستان ) . ضمن مرصده النقدي يستشف قصر عمر تجربة الكتابة للمسرح وظهور الاتجاه الأكاديمي .

أرى ان الاتجاه الأخير فقير ونادر بأمثلة محدودة جداً ، وهو توجه ممنهج بقوانين واشتراطات قلما تتبع في نتاجات كلياتنا الفنية ، أشير الى نموذج متطور منها هي العروض التي يخرجها د. عادل كريم وقلة من أساتذة المسرح .  وشاهدنا بعضها لفرقة من الجامعات البريطانية زارت البصرة .



    في كردستان معاهد للفنون الجميلة وكليتان و 9 فرق مسرحية و 3 مؤسسات رسمية . من الفرق التي تثير الانتباه : ( فرقة أصدقاء كزيزة ) تقدم إعمالاً تعالج هموم المرأة وما يكتنف عوالمها الداخلية ، تضم فنانات برئاسة الفنانة ( كزيزة ) و ( فرقة المسرح التجريبي في كركوك ) من أعمالها ( هاملت كركوك ) وكذلك( ستوديو الممثل ) وتمتلك ( جمعية الفنون الجميلة في السليمانية ) بناية مماثلة لمسرح الرشيد . جميع الفرق تحصل على دعم مادي من حكومة الإقليم ولها تمويلها الخاص .






   وعن ثراء المطبوع المسرحي يذكراصدارات فرقة سالار لمجلة (شانؤ المسرح ) ولكتب مسرحية آخرها ( أسئلة الحداثة في المسرح ) لياسين النصير . وتصدر ( فرقة المسرح التجريبي ) مجلة ( شانؤكار المسرحي )  وعن ( فرقة اشتي كركوك ) صـدر ( معجم المصطلحات المسرحية ) ومسرحيتان لجليل القيسي بالكردية .


     موضوع ( المسرح الكردي الآن )فيه معلومات مهمة منها اقتفاء تنظيرات فنانين عالميين ، ومحاولات تطبيق منهجياتهم . المخرج نهاد جامي يسترشد بتنظيرات جيرزي كروتوفسكي ( المسرح الفقير)آخر متأثر بمسرح القسوة . وكذلك تعاليم( انطون اراتو ) .



      الفنانة روبار احمد تفيد تطبيقات ( البايوميكانك ) افسفولد مايرهولد .. فريق / با المسرحي ) ينتهج اسلوب الورشة المسرحية . مما يدل على تلاقح فني وهو حالة ايجابية .



   استقرار الأجواء في كردستان أسهم في إنعاش قابليات واندفاع المسرحيين ، وفي زخم التلقي ، ولا وجود لمسرح تجاري . ويحظى الفنان باحترام وتقدير الناس والمؤسسات .



    حوى ( الفصل الثاني ) متابعات جادة وملاحظات نقدية لدور ومعاهد الفنون الجميلة ، ولعروض مهرجانية متواترة شاركت في بعضها فرق من ألمانيا والنمسا وبغداد . واتخذت عروض مهرجان دهوك من ( واقعة ) الشابة الأيزدية (دعاء) التي قتلت ببشاعة على ايدي مجرمين بسبب علاقة حب مع شاب مسلم ، موضوعاً لنص مسرحي واحد قدم بأربع لغات هي الألمانية والكردية والعربية والأنكليزية ... كانت تظاهرة فنية ورسالة رافضة لقتل البراءة وانتهاك للإنسانية . من تلك العروض ( الموت والعذرية ) اخراج د. هيثم عبدالرزاق انتاج كلية الفنون الجميلة – بغداد .


    يرصد الباحث وجود ازمة في النص الكردي ، وغياب الفعل النقدي المحايث للعروض ، وتخبّط بعض المخرجين في اختياراتهم ، وعدم وضوح أساليب ومناهج الرؤى الإخراجية ، وتقليد تجارب عالمية لا رابط لها مع موجهات الخطاب الفكري والجمالي .



   يحتل الكتاب مكاناً في ذاكرة المسرح العراقي والكردي بالذات . يقف خلفه جهد ناشط مسرحي متخصص .

   ------------------------------------------------


          الكتاب : قراءة استدلالية في المسرح الكردي
          تأليف :   بشار عليوي
           تقديم :  أ. د فاضل خليل
           الناشر : الجمعية الثقافية والاجتماعية في كركوك / مكتب كفري
           سنة الطبع :   2009





* الأثنوفرجية أو الفرجات الأثنوغرافية  Ethonscenologie   : هي عروض مشهدية خاصة ببلد ما انطلاقاً من البيئة التي تنتجه غير تابعة للشكل الغربي للمسرح الذي استوردناه .. انها فنون ذات إشكال خاص لا يمكن ان نقول عنها مسرح أو أوبرا أو غيرهما . وانما هو شكل خاص لا يقلد النموذج الغربي حسب الكاتب المسرحي السوري شريف خزندار .






   * كاتب عراقي




تكست -العدد الثامن : في الترجمة و السياسة - كتب د. عادل الثامري


في الترجمة و السياسة


  *د. عادل الثامري




لم يعد إنتاج و استقبال النص محددا بلغة  او ثقافة واحدة في عالم اليوم الذي تسود فيه قيم العولمة  ونتائج التكنولوجيا في تقليل كلفة الاتصال بين مختلف مناطق العالم  . و ينطبق هذا عمليا على كل مجالات التفاعل الإنساني وهو ينطبق على السياسة لكونها نوعا من التفاعل الانساني  ويؤثر الخطاب السياسي  على الاتصال الثقافي البيني و من ثم على الترجمة. فضلا عن هذا يعتمد الاتصال السياسي على الترجمة ومن خلال الترجمة تتوفر المعلومة إلى متلقين خارج  الحدود الوطنية. و كما يقول (انتوني بيم)  فان  للعولمة بوصفها صيرورة اقتصادية عواقب على الدور الاجتماعي للترجمة وهذه العواقب ستؤثر على التنظيم السياسي لدراسات الترجمة بوصفها حقلا بحثيا اذ يمكن للترجمة ان تؤسس ، كما يقول (لورنس فينوتي)، لوسائل ثقافية تقاوم الرأسمالية المتعددة القومية و المؤسسات الثقافية التي تتحالف مع الاقتصاد العولمي الراهن.



ويمكن  الخوض في ثلاث مسائل جوهرية في العلاقة بين الترجمة و السياسة هي : سياسة الترجمة ذات البعد العام و الجانب العملي التداولي لإشكالية ترجمة النص السياسي  و كذلك تسييس الترجمة؛ و هذه جميعا ستؤدي في النهاية حتما الى الولوج الطبيعي الى افاق جديدة في الدراسات الترجمية






.



هنا لابد من التأكيد ان اللغة هي العامل المشترك الأهم بين  كل من السياسة   تعريفاتها و تصنيفاتها من جهة  و الترجمة من جهة أخرى. فالحوارات السياسية و البيانات و الدساتير و المقابلات الإعلامية هي أنواع من الأفعال اللغوية  وهي ذات سمات و ملامح تحقق وظيفة اتصالية مثل الإقناع  والجدل والتهديد و الوعيد و غيرها . و قد اكتسبت العلاقة بين اللغة و السياسة اهتماما اكبر في السنوات العشرين الأخيرة مع بروز فروع من اللسانيات مثل تحليل الخطاب النقدي و اللسانيات النقدية وتحليل الخطاب السياسي و هي فروع تهتم بدراسة الأبعاد السياسية للغة و الأبعاد السياسية للغة .هذا فضلا عن حقول مجاورة أخرى مثل علم الاجتماع و الفلسفة.



في مستهل رسالته (السياسة) يعرف ارسطو الانسان بوصفه حيوانا سياسيا طالما انه حيوان ناطق. بهذا المعنى الاصلي يمكن النظر الى اللغة بوصفها شكلا من  اشكال البراكسيس طالما انها الوسط الذي يحصل فيه الفعل السياسي (على شكل برامج و شعارات و قوانين و لوائح و مناظرات). اللغة هي ما يجعل من الافكار  تكتسب قوة مادية حين تجذب الجماهير ذلك أن هذه الافكار تجد ماديتها في الكلمات التي تؤسسها. لقد بحث الفيلسوف الايطالي (باولو فيرنو) في أرخنة هذا الامر و جعله خصيصة من خصائص الرأسمالية المتأخرة والتي اطلق عليها اسم " مرحلة ما بعد الفوردية" (نسبة الى مؤسسة فورد الامريكية). يدعي فيرنو  ان   اللغة ، في تلك المرحلة ،توقفت  عن ان تكون اداة فقط   ، أي مجموعة من العلامات تستعمل كأدوات لفظية للتواصل ( فالقردة يمكنها ان تستعمل مثل هذه العلامات عندما تذهب معا للبحث عن الطعام)،ان اللغة في مرحلة مابعد الفوردية مختلطة بصيرورة العمل و انجازاته.




 يقول لورنس فينوتي في كتابه (فضائح الترجمة )  " الترجمة، مثل أي استعمال للغة ،هي اختيار يرافقه اقصاء و تدخل في اللغات  المتنافسة التي تؤسس لأية  حلقة تاريخية" و هذا الاختيار يتأثر بمجموعة من العوامل ليس اقلها العامل السياسي فالمترجم جزء من مجتمع تديره السياسة . ومن اولى الملاحظات في هذا الامر ضمن دراسات الترجمة المعاصرة  ملاحظة  لوفيفر حول الراعي( patron) و التي درس من خلالها تاثير السلطة على انتاج  الترجمة و لمفهوم الرعاية هذا مكونات ثلاثة هي: المكون الايديولوجي و المكون الاقتصادي و المكون الاجتماعي و هذه المكونات الثلاثة هي بطبيعتها سياسية ذلك انها ترتبط  بعلاقات السلطة و القوة في المجتمع. فالدولة العباسية مثلا هي التي شجعت و دعمت حركة الترجمة و انشأت لذلك بيت الحكمة و ادرك الخلفاء العباسيون اهمية الترجمة لتحقيق اهدافهم فراحو يغدقون العطاء على المترجمين.




مع بروز مناهج و مقاربات الدراسات الترجمية الوصفية و الوظيفية و الدراسات الترجمية المتأثرة  بالدراسات الثقافية على ايدي زوهار و توري ومن ثم لوفيفر و باسنيت و فينوتي ظهرت اسئلة تتعلق بمن يقرر ماذا يترجم ؟ و من اية لغة يمكن الترجمة؟  وما هي الظروف التي تحكم المترجم و عمله و سلوكه؟ و من يختار المترجمين و من يدربهم؟  و هذه الاسئلة ترتبط بالسياسة فالمترجم يقوم بعمله في   سياق ثقافي و سياسي محدد.




في هذا الاطار نشطت دراسة السياسات الترجمية في ظل الانظمة  الاستبدادية فقد درست سياسات الترجمة و النشر ابان الحكم النازي في المانيا و كذلك الخطاب الذي اظهر ان هناك انماطا من الممارسات في اختيار النصوص للترجمة  لتحقيق هدف بناء الهوية القومية، فترجم الادب الذي يساهم في بنائها. كما ظهرت دراسات تتناول عمل مؤسسات النشر اثناء الحكم الفاشي في ايطاليا. و هناك مشاريع في اسبانيا و في البرتغال لدراسة انماط الرقابة على الادب و السينما و المسرح في ظل الانظمة الدكتاتورية في القرن العشرين . كما ان سياسة الترجمة تشمل الحقيقة السياسية في ان اللغة الانكليزية باتت اللغة المهيمنة في الترجمة  و يرجع هذا الى قوة الولايات المتحدة الامريكية و الارث الاستعماري لبريطانيا الذي جعل من الانكليزية اللغة المستعملة في السياقات التواصلية في العالم و كذلك في التبادل العلمي و الاكاديمي  للمستعمرات السابقة. و أدى هذا الى فقدان التساوي في اتجاهات الترجمة حيث اصبحت الترجمة من الانكليزية الى اللغات الاخرى اكبر بكثير من الترجمة اليها.




اما تسييس الترجمة فهو وضع النص المترجم ليخدم اغراضا سياسية كما هو الحال في وثائق الامم المتحدة و التي توضع في نسخ بلغات متعددة مما يفسح المجال للتأويل و الاختلاف في تفسير المواد التي تحويها تلك الوثائق و يؤدي ذلك في الواقع الى اتخاذ مواقف و القيام بنشاطات سياسية استنادا للتأويلات المختلفة. و المثال الاشهر هو قرار مجلس الامن الدولي 242 الصادر عام 1967، فالنسخة الانكليزية لم يستعمل فيها اداة تعريف قبل كلمة territories     (مناطق)مما قاد الى وجود قراءتين هما (الانسحاب من بعض المناطق أو الانسحاب من كل المناطق)، واستعمل هذا الامر لاغراض سياسية.




فضلا عن ذلك فان الكثير من الدول تمتلك مؤسسات متخصصة في ترجمة الخطاب السياسي للأنظمة القائمة الى اللغات الاجنبية و الغرض هو بث افكار تلك الانظمة و ايصال صورتها الى المجتمعات الاخرى من اجل كسب التأييد او نشر الافكار كما حصل مع ترجمة اعمال ماركس ولينين و ماو و كذلك نقل الاداب السوفيتية الى العالم.




 و في العراق ،خلال فترة حكم النظام الدكتاتوري، كانت هناك مؤسسات مهمتها ترجمة خطابات رأس النظام الى العديد من اللغات و قد رصدت الاموال الكثيرة لهذا الامر و قد قامت هذه المؤسسات بترجمة و نشر الكتب الاساسية التي تروج لافكار حزب البعث و مؤتمرات الحزب القطرية .




كما ان العديد من الدول تمتلك مؤسسات مرتبطة بوزارة الخارجية تقوم بترجمة الخطابات و البيانات الصحفية لخدمة دبلوماسييها. فالترجمة كنتاج اصبحت تستعمل  في الفعل السياسي. و انشأت عددا من شبكات المترجمين غير الربحية مثل (مترجمون من اجل السلام) التي اعلنت في بيان تأسيسها انها ستنشر رسائل في كل اللغات ضد الحرب كوسيلة لحل النزاعات.






ان العلاقة بين السياسة و الترجمة علاقة وثيقة و يمكن لدراسة مثل هذه العلاقة المتعددة الوجوه ان تقدم لنا تبصرات مهمة حول الترجمة نتاجا و صيرورة فضلا عن ان مثل هذه الدراسات تسهم في تطوير  و تعزيز اتجاه جديد هو الدراسات الترجمية النقدية.





*أكاديمي عراقي








تكست -العدد الثامن : حكمـــــة الشــــــــاعـر - كتب د. حسين سرمك حســـن





حكمة الشاعر
  
د.حسين سرمك حسن


لعل من أروع النماذج التطبيقية التي يقدمها صقر عليشي لتحديد الخط الفاصل، وهو دقيق جدا وفق عقلية الأصوليين ، بين تفجرات الخطاب الشعري، وتصنيمات أحكام الخطاب الديني هي قصيدة (آخر ما قاله لقمان الحكيم). وينبغي أولا أن نتفق مع اطروحة المفكر والمبدع الكبير (أدونيس) حول الفارق الجذري بين الرؤيا الدينية والرؤيا الشعرية حيث يقول:  (الشعر يعارض جميع الأزمنة ، وبخاصة الزمن الديني، من حيث أنه لا يواكبها بقدر ما يخترقها لكي يخلق زمنه الخاص . الشعر بتعبير آخر يُخرج الزمن من إيقاعه الخطّي الخيطي، إلى إيقاع كوني عمودي.



إن علاقة اللغة بالشيء ، دينيا، علاقة ثابتة، أما علاقة اللغة بالشيء، شعريا، فهي علاقة متغيرة. ينتج عن ذلك أن المعرفة بالدين تتناقض كليا وجوهريا مع المعرفة بالشعر- أدونيس ، محاضرات الإسكندرية). وقد ترسخ في ذاكرتنا ووجداننا أن لقمان هو رمز للحكمة واستنباط الدروس من ظواهر السلوك والحياة. وصاياه تهدف إلى تحقيق التعاضد الإجتماعي ، والوحدة الأسرية، وإشاعة قيم الصدق والوفاء والعدل. وهذا قائم في آي القرآن الكريم وفي الشروحات الدينية التقليدية الكثيرة. لكن بالنسبة للنفس البشرية ، وافضل دارسيها وأكثرهم معرفة باسرارها هو الشاعر، تصل مرحلة ، على مستوى اللاشعور، وعلى مستوى الرغبات والغرائز إلى حالة من الرغبة في الصراخ حين يعم هدوء رتيب موحش.. ومن الإنفلات في التصرّف عندما يكون الإيقاع السلوكي ثقيلا معادا مكرورا. ويشير "الوردي" إلى أن (أرسطو) قد أخطأ حين اعتبر ( الإنسان مدني بالطبع ) لأن الإنسان – حسب الوردي – ( وحشي بالطبع ، ومدني بالتطبع ) . ويقدم ملاحظة مهمة تشير إلى أن مفكرا واحدا من بين المفكرين القدماء استطاع أن يشذ عن دراسة المجتمعات الطوبائية المتعالية ويتجه إلى دراسة الواقع الفعلي وهو ابن خلدون الذي اعتبر التنازع مصدر تطور المجتمع حين قال في " مقدمته "  : ( إن التنازع عنصر أساسي من عناصر الطبيعة البشرية . فكل إنسان يحب الرئاسة وهو لا يتردد عن التنازع والتنافس في سبيلها إذا وجد في نفسه القدرة على ذلك ) وهذا الرأي أصبح محورا لكثير من نظريات علم الاجتماع الحديثة . فالتنازع والتعاون هما دعامتا الاجتماع البشري ، فهما يخلقان ما يصطلح عليه الوردي بـ "التدافع الاجتماعي" الذي إذا خلا منه أي مجتمع فإن مصيره سيكون الركود والانحطاط ، في حين يشكل وجوده حافزا للإنسان نحو العمل المثمر والإبداع . ويضرب الوردي مثلا على ذلك بالمجتمع الهاديء الذي حاولت تشكيله مجموعة من الطوبائيين في أمريكا ، لتكون مجتمعا هادئا وبعيدا عن تكالب الحياة وشرورها ونوازعها، وانضم إليه الفيلسوف ( وليم جيمس ) الذي تركه بعد بضعة أيام قائلا : أنا سعيد حين أخرج إلى عالم فيه شيء من الشر . لقد أصبحت أشتهي أن أسمع طلقة مسدس أو ألمح لمعان خنجر أو أنظر إلى وجه شيطان!!.ويعلق الوردي بالقول: ويبدو أن المثل الشائع الذي يقول أن جنة بلا ناس ما تنداس ليس دقيقا تماما ، فالصحيح هو أن جنة خير مطلق بلا شرّ لا تُطاق، فالطبيعة البشرية لا تستسيغ "السُرُر المتقابلة" والسعادة الرتيبة وتشتهي التنازع. يقول صقر:



( لا يتردد أن ينزع ثوب أخيه
واثواب الجيران
من كان له ثوبان
هذا توقيعي:
لقمان  ) (الأعمال الكاملة، قصيدة: آخر ما قاله لقمان الحكيم، ص439)



يبدو الإصرار صادما حين يوقع لقمان الجديد تحت وصيته الأولى.. وهي وصية وحشية إذا ساغ الوصف.. وصية تشيع الخراب والصراع والتعدّي بين البشر.. كما أنها تكشف الروح التملكية الساحقة التي لا تقف عند حدّ.. ففي حين تدعو كل الديانات السماوية والأرضية إلى أن تقتسم الرغيف الواحد مع أخيك ( ولا أعلم كيف نقتسم الثوب الواحد مع أخينا في الإنسانية ؟!! مو نتصلخ اثنينه !!) كتعبير عن التكافل والتراحم وعون الإنسان لأخيه الإنسان .. وهو في الواقع موقف يضفي على الإنسان سمات المحبة والتضحية والتعاطف الدافيء والنزوع نحو الصلات المسالمة وتفضيل الآخر على الذات.. وهو في الحقيقة مقلوب ضدي لما هو في الواقع وفي البنية النفسية العميقة التي تلوب فيها غرائز العدوان.. فالإنسان هو الوحيد الذي يقتل أبناء جنسه ، وبالملايين.. ولم نسمع بحرب عالمية ثانية بين الاسود قتل فيها (30) مليون أسد !!. صقر – في هذه النزوة الشعرية- يدعو الإنسان إلى أن لا يقنع أبدا.. وأن يمدّ بصره ومخالبه إلى ما يمتلكه جاره.. وإذا كان لدينا ثوبان فلنكمل الأمر وننتزع أثواب أخوتنا وجيراننا. لكن ما نعرفه هو أن لقمان الحكيم لم يقدّم لابنه أو لغيره أي موعظة من هذا النوع.. ثم أن لقمان حكيم وليس شاعرا.. أما صقر عليشي فلم نسمع بحكيم في القرآن أو في التاريخ يحمل مثل هذا الإسم.. وهو شاعر وليس حكيما كما يوصف في الصحف والمهرجانات .. لم يقدمه أحد على المنصة قائلا: الآن مع قصيدة لصقر الحكيم. صقر ليس رجل دين وهذا هو الفارق الحاسم.. لنستمر في الإستماع لـ "أوامره":











(كن أرضا واطئة
تشرب كل مياه جواركْ
كن عشبا
ستُداس
وإذا ما كنت حذاء
تخرس أفواه الناس ) (ص 439و440)


ودائما، وفي هذا العالم الجائر، وحين تتصارع الفيلة في غابة الحياة لا يتاثر سوى العشب.. في مشروعه الشعري يحتل العشب موقعا بارزا .. فهو ابن الأعشاب الرقيقة .. وتعاليم الأعشاب هي ركيزة مركزية من ركائز تربيته الجمالية :



(في ظلّ الأخلاق العالية لشجر الحور
تربينا
وحفظنا كلّ وصايا الصفصاف
وكلّ تعاليم الأعشاب ) (الأعمال الكاملة، قصيدة تربية جمالية، ص327)



وشاعر مثل صقر يتربى مع العشب كتفا لكتف ووجودا لوجود :



( ها هي الأشياء تَغنى
في ظلالكْ
ها أنا والعشبُ ننمو
في جوارك ) (الأعمال ، قصيدة سماء خاصةن ص172)



يدرك قيمة هذا المكون الهش في حياته خصوصا وفي الحياة عموما.. يدرك معنى أن تسحق عشب الإنسان لا أحذية الطغاة الثقيلة حسب ، بل أقدام أخيه الإنسان المسحوق الذي جعله الإنذلال والمهانة ينذهل عن مواضع الجمال فيدوسها وهو في دوامة صراعه من أجل البقاء الحيواني .. وفي ظل معادلة اجتماعية مختلة يعود فيها إلى الصدارة السلوكية في المجتمع مبدأ الغاب القديم: البقاء للأقوى، يكون من المشروع أن يعلن صقر قناعته المرّة هذه.


(من يشرب من بئرٍ
فليبصق فيها
من مرّ على الأشجار تدلّت
ثمراً
فليأكل حتى التخمة
من ثمّ .. ليجعل سافلها
عاليها ..) (ص 440) 



إنها النقمة الجارفة التي لا تبقي ولا تذر.. في مثل حالات الإختلال الاجتماعي الخطيرة هذه يمكن لرجل الدين أن يوجه مواعظ التراحم والتكافل.. لكن الشاعر الفرد ليس رجل دين.. هو إنسان توفّرت لديه القدرة على أن يصرخ من خلال اللغة.. من خلال اللعب على أوتارها .. هذا اللعب الذي سيقط هيبة رجل الدين وهيبة مواعظه وتأثيرها في نفوس المصلين الذين يتوعدهم لو لجأ إليه.. وصحيح ، لماذا يتوعد شيخ الجامع في خطبته المصلّين الذين يركعون امامه لله.. ولا يطرح خطابه للآثمين الخطّائين وهم خارج المسجد بطبيعة الحال؟ سيقولون أنه يخاطب المصلين ومقصده الآثمون.. وهذه حالة تأويلية "شعرية".. والشاعر ذو مشروع فردي.. ونداؤه ذاتي يصخب في أعماق ذاته ولا صلة له بأي "آخر" لحظة الخلق.. في النشوء الجنيني يكمن الخطاب الشعري في "رحم" الشاعر.. وحين يطرحه يصبح مشروعا متداولا بين المتلقين.. لكنه يبقى نداء الذات الممزقة.. المحاصرة المستغيثة.. تطلق نداءاتها الجريحة لا لإله ولا لعقيدة ولا لجموع يلقنها دينا جديدا .. ديانته شعريّة يقول فيها ما لا يفعل.. ولو كان يقول ما يفعل لانقلب عالي الحياة سافلها.. لا يوجد لديه مسجد يعلّم فيه المريدين أن من يشرب من بئر فليبصق فيها ويرمي فيها حجرا.. ولا يلقنهم أن من أكل من ثمار الأشجار فليُتخم ثم يقلب سافلها عاليها.. إنه فقط يطلق النداءات الشعرية ، نداءاته المنجرحة ، وهي ذاتية أولا ، ولغتها خاصة ثانيا. إن عالمه لغوي فريد لا صلة له على الإطلاق بالعالم المادي القائم سوى أنه يعيش فيه ويستقي "مواده" الأولية منه .. والأهم أن ندرك وبقوة الفارق بين الذاتين: ذات رجل الدين أو المتدين التقليدي عموما، وذات الشاعر.. فالأولى مستكينة مستقرة ومذعنة .. في حين أن الثانية قلقة مستثارة ومنفعلة.. وما تنتجه الذات في حالة قلقها وانفعالها بما يطعنها ويهددها يختلف جذريا بل يناقض ما تسلكه الذات الأولى من إنسحاب وخشية – والخشية غير القلق – وتبريرات مهادنة. ووفق هذه المعطيات الشعرية نفسها يمكننا أن ننظر إلى ما قاله الشاعر في قصيدته "في فضاء الطفولة" ، معطيات شعرية لغوية :



(أضعنا مرارا خراف الزمن
وعدنا إلى أهلنا نادمين
جمعنا الكثير من البيض
منتظرين مجيء حسن (بائع جوّال كان يُعرف باسم حسن البياع )
ومن بعدُ يذكر ذاك الحسن ؟
وحماراه من تحت حمليهما يرزحان
يجيء ، ويرفع من عند أول بيت
نداءً
يلعلع مثل الأذان :
حيّ على "راحةٍ"
حيّ على إبر وأساور
حيّ على لذة في السكاكر
حيّ على خير حنّاء
              للصبايا الحسان
حيّ على ....
وحماراه من بعده يكملان ) (الأعمال الكاملة ، قصيدة "في فضاء الطفولة" ، ص338و339).




حاشية :
----------
ومع كل الاستقلالية الشعرية التي تنأى بالشاعر عن تأثيرات ما هو ديني ، وسعيه الثوري لتأسيس مشروعه القائم على رؤاه الفردية ، فإن ما غرسته التربية الدينية والاجتماعية في لاشعوره قد تفعل فعلها في كثير من الأحوال وتشغّل وخز الإبرة النفسية الداخلية كما يسمّي صقر الضمير في قصيدته "قالت الإبرة" التي تسلمناها منه مخطوطة وستكون لنا وقفة مفصلة معها لاحقا ، هذا الوخز قد يدفع بالشاعر إلى مراجعات مربكة ومشوشة لا تتبين بصيرته العامل الحقيقي فيها. على سبيل المثال نشر صقر قصيدته " رسالة غلى الوالد" أول مرة في مجموعته الشعرية "أعالي الحنين" التي اصدرها عام 2001، وجاءت فيها الأبيات التالية:



( فلا يحزننّك ما ثرثر الأغبياءُ
وماذا تُجيد الحمير سوى حمل اسفارها
وهذا النهيق الغبي ؟ )



ولكنه حين أصدر أعماله الشعرية الكاملة في عام 2008 رفع الأبيات السابقة من تلك القصيدة، وعندما سألته عن السبب قال إنه يريد أن يخفف من غلوائه واندفاعة روحه الشعرية في التعامل الصادم مع النص الديني .. وحين نقرأ هذه الأبيات فسنجد أنها الأبيات الوحيدة التي يقرّ فيها صقر وصفا ورد في القرآن الكريم ولا يقلبه على "بطانته".. قال تعالى في الآية الخامسة من "سورة الجمعة" :


 ( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ )



ولم يقل صقر اكثر من هذا ، بل ايّده بقوة مضاعفة!!








    * كاتب عراقي 




ملاحظة: هذه المقالة جزء من مخطوطة كتاب عنوانه "المجدف السعيد" عن الشاعر صقر عليشي سيصدر قريبا عن دار الينابيع في دمشق . 




تكست -العدد الثامن : العمـــــارة رفيقــــــــة درب - نص للشاعر عــــادل مـــردان



      العِمارة رفيقة ُدرب


      *عادل مردان



يتأمل الرضيع وجه الأم , والسقف العالي للبناء القديم , ويركّز طويلا ً على جدار ٍ شاخص وملغـّز , يوجد خلفه العالم .. إذ يكثـّفه اللون الأبيض , أمام براءة العينين . بعد مغادرة المهد يُسنـَد الطفل بنمارق من ريش , فتضج في رأسه الأسئلة . تنمو الأصوات الخافتة , ويبدأ بالضحك الأعتباطي ، لأن الذبذبات تدغدغ طبلة الأذن ... كذلك يتساوق البكاء , وكأن الوحوش تئن خلف غرفته البيضاء . بهذا الفضول البصري , تُكتشف العمارة تدريجيا ً- حيث يلحُ إستطلاع العين , لمعرفة مكونات البيت , مع تعلـّم الألفاظ المتناغمة , فأستطلاع الجدران درس النفس الأول , بعدها يخف الأرتباك , من مسافة الفراغ الى السقف .



أتذكّر في ( الشعيبة ) , المحطة ما قبل الأخيرة , التي يقطعها القطار جنوبا ً , الى محطة (المعقل ) , ذلك الليل الجاثم بكائناته , خلف الجدار الملاصق للسرير . أنام قرب أمي , بينما يأتي الزئير , من قلاع كثيرة التعقيد , ولا ينقطع إلا عند سماعي صوت ( الماكنة البخارية ) , تدخل المحطة , وهي تجر قطار (الأحمال) ببطء .
بدأت أكبر , وأنا أراقب العربات الرجراجة , تمازج بمشهدها الأثير مشاعري المتناقضة .



عندها توضّحت لي ألغاز البيت – حوش سقفه السماء , وثلاث غرف جاثمة بأستقامة , أعلاها سقيفة عرضها متران ... ينتهي الممر بمطبخ صغير , يلاصقه حمام واسع , الأول مشغل أمي الدائم , تقشّر , تقطـّع , وتعجن , والثاني حددت أرضيته , بسور منخفض أشبه بحوض ... أغلق الفتحة , وأملؤه بالماء , لنطرطش أنا وأخي – ذلك الولع القديم , بلاغة حنين الى النهر . في بيوت (السكك) , ذات الطراز الأنكليزي , يُبنى وعاء كبير من الكونكريت , لغرض الأستحمام , حيث الفتحة خارج التكوين , كافية لأدخال ( البريمز) .أما في الأخير المخادد , فسحب سلسلة ( السيفون ) , متعة تسحر الأطفال ... كانت الغرفة الوسطى مربّعة , مثل كائن يقدم وظائفه المعمارية. في شتاءٍ قارس , كنا نتكدس في جوفها الدافيء , إذ تخط الرعود , في ذاكرة الفتى موسيقى الخوف – وسط الجدار (رازونة) , كم أشرَفت عليها , وأنا أتوازن على الكرسي , لأخبيء سيكارة (كريفن أبو البزون) , لذتها مازالت في فمي . الأولى دَخنتها في نهاية الدرج , الذي يصر مستعذباً بلحنه . عندها يطل أبي , بقامته على مشهد التجويف , عاثراً على سيكارتي المفضّلة .  السطح تكوين مدهش , عند صباح صيفي , تحط حمامة عيني على (المحجّر) , وتفعل أناقة الطابوق , فعل المعشوق بالعاشق . كانت بناية المحطة , ذات الطابق الواحد , تلتصق بالبيت – حيث تفتح الغرفة الأولى , الى ممر المحطة , ذي الغرف الأربع . الأبواب بظلفة واحدة , والباب ذو ظلفتين , عايشته في مكان آخر ... لا تغيب عن ذاكرتي (ثلاجة الخشب) المبطـّن أعلاها( بالفافون) , حين ألتقط تفاحة من أسفل .



أجلس هنا قرب نافذة (العربة السياحية) , بعد ثلاثين سنة , لأشاهد بيتنا , الملاصق , الذي تأملته طويلاً , عند عودتي من المدرسة , كأنه عملاق أخرس , يتربع على الأرض , فإذا البناية تشملها نظرة خاطفة . صار البيت متواضعاً والأبنية التي إضطجعنا في ظلالها , إنكمشت على نفسها , تلك هي تحفيزات أولى , للكتابة عن العِمارة .. عمارة تعيش مع الانسان , فلنا جميعاً تعالق لا شعوري مع كائناتها الصامتة .



ما يُغني فكر العِمارة في المشرق , مجاورة الصحراء والنهر . في بلادنا صُممّت المدن السومرية , على شكل رقعة شطرنج , وهذه حال مدننا الآن . يكتب مؤرخ غابر : (العمران ينتج المدينة) , فالحروب تخرّب ما يُبنى بمشقـّة .. هنا زقاق يلتف على نفسه , لا تخرج من شَرَكه , إلا بالتعوّد والخبرة , تتعرج كالأفعى , وصولاً إلى سكن خفيض . أكثر الأحيان تنتهي (الدربونة) ببيت , لتعود أدراجك الى شارع (الشناشيل) , وقد شحبت واجهاته المزخرفة ... (الدربونة) ضيقة , حيث تتقابل أبوابها ,على بعد متر , وهي مرصوفة أحياناً
بالقاشاني .



الخمرة تزيد العمارة بهاءً . أحب السقف القرميدي , وبيت الطابق الواحد , ويسحرني الموقد الذي نسيت ذكره , في الغرفة الوسطى , حيث حكايات جدتي , تنساب مع الروح ...  يزيدني تأمّلا ً سياج الحديقة الخشبي , محددا ً صورة البيت ... (الأشجار صغيرة لا تلغي إستراحة الفضاء – يمكن زراعة ليمونة , عند كل زاوية في العمق) أما البيوت العملاقة ,   المطهمة بالزجاج والساج والزخارف, فإن حضورها الفقير, ينعكس على فضاءات الداخل,
إذ يشرد النظر , مِن إسراف التخارج .




إنطبع مبنى (المحطة العالمية) , في وجداني لكثرة تسفاري بالقطار . كنت أتفحص ثيمات المبنى الفضائية , بأندهاشة الثَمل , فتحاورني سرودها باللاوعي , قلت لنفسي حينها :  ما فضائل العِمارة في الشعر . أجيب متمتما ً قرب نافذة التذاكر الخضراء ,: الإنشغالات الأولى تتحفز بلا وعي , (البيت - الجدار – النافذة – الباب – السطح - السلّم - الممر- الزقاق ... إلخ)    يتعزّز توقي الى الموسيقى , إذ تترك نسقا ً سمفونيا ً, في معمار القصيدة الخاص . ما زلت أتأمل , مجاورة العمارة للموسيقى , مجاورة الجلال للروح . يقول معماري ذائع الصيت : للبناية أساليب مبهمة , كي تعيش مع الأوركسترا , عندما يواجه , الفضاء الداخلي صعوبات نفسية للتفاعل مع الإيقاعات , وبعد جهد جهيد تنسجم معها , فبناية موسيقى  (بتهوفن) , غيرها لمجدد الأوبرا ( فاكنر) , غيرها  لساحر الباليه (سترافنسكي) ...    مزايا شيّقة للعِمارة , وهي تعيش معنا , دون أن  نتنبه .  ينسجم فن الحضارة هذا , مع خاصية فريدة في الشعر , تمعّن فيها (باشيلار) عميقا ً ,  وهي لفتة معمارية منه , تركّز على ( الكبير والصغير) , لحجوم الأشياء عِند الشعراء ,  فمنهم مَن يكبّر أشياءه ومنهم مَن يصـغـّرها , ومرجع هذا- الأنطباع الطفولي في   أرواحهم ... يتركز الحس البدائي للعمارة الطبيعة بالجبال , وكل ما يتعلق بالصخر ,   فللأحجار تناغم شكلي , يعطي الأصول الفطرية لذلك ... وأنا في السيارة , بينما نقترب من مدينة (العمارة) , تشغل الناظر كائنات ممشوقة , من الطابوق تُدعى(الكورات) , بينما يرطن مجاوري , كنت منسجما ً مع (كورة) , تنفث دخانها الأسود في الأفق .  نوعية المواد سبب فعّال , لصفات الجسد المجبولة بكيمياء العناصر , فالأسمنت غير الطين, والطابوق غير الحصى , والكراسي المصنوعة من ألمنيوم , تختلف بالوظيفة عن مثيلاتها , من حديد أو خشب , فهي تشابه أجسادنا , بالمجالات الثلاثة (حرارة- كهرباء- مغناطيس) . في أجنحة الطائرات مثال شائق , إذ تصنع من سبيكة (الديور ألومين) , المانحة صفات مرغوبة (الصلادة والخِفة) . في شعرية العمارة ضمانة , للأحاطة بعوالم فن التشييد , الذي يخاطب البشر , بلغة بَصريّة  واحدة , فروحها تقاوم الزمن , لقد كَتَبتها لغة الرياضيات , التي حافظت على ماء وجهها  (ميشيل فوكو) . المسجد بعمارته , المصرف المحروق مع تخطيطات الرسام , المحفورة على الخشب , وتلك مشاهد من المدينة ... يسعل باص (الآباتشي) , في شوارع مهملة , لا تنسجم (الشفرليت) مع وحدات الكونكريت ,  التي تكبّل النهر(ذوق التصنيع العسكري) ...  الفكر الظلامي يخلق عِمارة فاشيّة , والمستنير يخلقها شفـّافة , تتروحن مع الناس .  قفزة إلى الفضاء الداخلي , (البيتونة) حارسة البيت , و(البادكير) يذكّرنا بحكايات الصحراء ... السجادة والثريّات والنمارق – غرفة(السرداب) والنوافذ المشبّكة والكوّات,
التي تسمح للهواء , والضوء بالنفاذ , الكراسي والدواليب(فلسفة الأثاث) , الأرائك والشمعدانات , إكسسوارات تلائم فكر العِمارة .



عمارة تظلـّل الشوارع , عند طابقها الأول قاعة الرسم , تُعلـّق اللوحات على الجدران , لتبدأ حكاية التجاور . أنظر من نافذة الفندق , المقابل إلى الحديقة , حيث تتوزع التماثيل مثل أبناء , يستظلون بفيء أمهم , الساحرة سيدة الطوابق .
العِمارة في الرواية , (كيف نسيت) – يعبر من هنا السيد( بلوم) في (عوليس) , أصبح العبور إحتفالا ً , ذكرى لرواية معمارية حديثة , أو في (1984) الأخ الأكبر , عندما يُخرج البطل طابوقة من الجدار , هناك يخبّيء دفتر مذكراته , من عيون لا ترحم , كذلك تتداخل الأمكنة عند رواية (جن) .


الألوان تُعطي تأثيرها نوعا ً ودرجة , عندما صَبغتُ بعض الاُصص , لاحظتُ تأثير اللون الترابي . أيضا ً في الأجسام العملاقة , فناطحات السحاب البيض  , والسود  , والحمر ,  تُعطي مشاعر مختلفة ... في مدينتنا المُحزنة , التي لا تطاق , تحيا عقول معمارية , ستضع تصاميم المدينة المُتخَيلة . تمنيت أن أسألك صديقي المعمار , يُخيّل لي إن بعض الأغاني , تمتص من أضرع , حقل العمارة الباذخ , ما تستطيع , لتنفرد (بميلودية)  مؤثـّرة , حصرا ً, (الغناء الأوبرالي) . كذلك أسألك , لماذا أأول فضاء(الكعكة الفرنسية) لشعر المرأة , إلى عمارة بسيطة للمتن الدائري , يطعّمها النحت بالضفيرة .



(كعكة عيد الميلاد , عِمارة لذيذة , تنحني لسكين إبنتي البيضاء ) ... في الحمّام نزاول أبسط عادات العِمارة , (تأخذ الحجر الأسود بيد , وتجلّف باطن القدم) .




السوق يشبه البازار , ينحرف المتجوّل مع طقس العمارة , الذي يوجهه الخشب , والسقف
الكبير يظلل الملابس المعلّقة . (سوق المغايز) نكهة معمارية موحية . أما (سوق العطارة),
فتمنح فضاءاته الرضا والسكينة , لعباءات تَمد الأيادي إلى دكاكين , إحتشدت على رفوفها,
مباهج الصيدلة الشعبية .  بناية السينما في الصيف , إيحاء يختلف عن بناية الشتاء , كذلك عِمارة السجون , الأكثر تحسسا ًبسيكولوجية النزلاء - خاصة الثقيلة- تآزرت العمارة معنا أيام المحن , فأصابها ما أصابنا ... أركض في الحلم , يرسم الكابوس (عمارة النائم) , مختصرات من الضيق – دهاليز – واجهات حرجة . بعد ثلاثة أشهر من الحرب الثالثة , تغيّر الفضاء للناظر من الطائرة , لأن الصحون (الدشّات) ملأت السطوح .




النص الديني تصوّر فجائعي لعمارة القبر . في صحن العمارة الأسلامية أتدلّى , مستذكرا  أولى تفكراتنا العمرانية (الزقّورة) , التي فخرت عادات وطبائع الإنسان , في بلاد الرافدين  ثم أغرق في الرسم التخيلي (لبرج بابل) , حيث كثافة الرموز المعبّرة عن حضارة نائمة ...   النحت الآشوري , والقصر المنيف لملك إله , إذ يقف ثوران مجنّحان أمامه . بجلال , ثم أعود إلى ذلك الصحن , مدقـّقا بالقباب والمخروطات , مثمـّنا الذائقة التي تجعل , من محراب (الخاصكي) سيد المحاريب .  بتعاقب الزمن , تمنح الأرواح المتواترة , الكثير لجسد العمارة , فالبيوت العتيقة تنفث  المعاني بروحية , لتجعلها حبيبة ومؤنسة ... ويعطي بيت الطين من الأنساق التأملية , أكثر مما يعطيه بيت الطابوق . أما في (الكوخ) , حيث يكون السرد  , من مخيّـلة القصب , تتناغم أعراس الكينونة مع الوجود .




  *شاعر عراقي 



   

تكست -العدد الثامن : الشاعر كرستوفر ميريل - كتب عبد الستار عبد اللطيف الاسدي



الشاعر كرستوفر ميريل 

Christopher Merrill


*عبد الستار عبد اللطيف الاسدي



               الشاعر من مقاطعة آيوا الامريكية ، حيث ولد عام 1957 ، و ترعرع ودرس و نال البكالوريوس و الماجستير في الشعر الامريكي و الادب العالمي و مارس الترجمة و الصحافة و كتب في الفن و عن الطبيعة وفي الحرب و له نظرة  خاصة في توظيف الشعر جماليا في الحياة اليومية في المدينة الحديثة كأن تكتب ابيات من قصائد مختارة على الجدران و في الساحات و قد عرف عنه رفضه الحرب، مهما كانت اسبابها ، و كرهه سفك الدم البريء، كما عرف انفتاحه على التجارب الشعرية الجديدة ، و رغبته في تقديم الرأي الاخر و نشره ، بكل شجاعة،  و قد ذاع صيته،  اكثر لتبنيه مشروع ضخم ، هو برنامج الكتابة العالمي   The International Writing Program، الذي يقوم كل عام باستضافة عدد من الشعراء و الكتاب و الفنانين و المترجمين، من مختلف انحاء العالم ، زهاء ثلاثة شهور، يتعرف فيها هؤلاء على اقرانهم من شعراء و كتاب و فنانين و صحافيين و مسرحيين و قراء ايضا من مختلف مشارب الحياة و المشروع يقدم فرصة ،لا مثيل لها، لان يلتقي الجميع، في اجواء ادبية خالصة، حيث تقام ورشات عمل للكتابة الفردية و الجماعية و تدار حلقات نقاشية و تقرأ قصائد و تترجم اعمال وترسم لوحات وتعرض مسرحيات و تعقد صفقات للنشر و تفتتح معارض و تزار متاحف و يذهب الجميع في جولة في نهر المسيسيبي ويشاهدون اثار الهنود الحمر و ربما يلعبون الكرة...وقد شارك في هذا المشروع الضخم ادباء كبار من العالم من امثال اورهان باموك و فكتور بيليفين و ادوارد رادزينسكي و لويزا فالينزيولا و جوشه دونوسو و سو تونك و يو هاو و سهيل نجم ... وقد يصدر، عن هذا اللقاء العالمي، مجلد كبير، بعنوان (الدنيا تأتي لمدينة آيوا      The World Comes to Iowa)    او تنشر تجربة شعرية في كتاب اخر بعنوان (سبعة شعراء، اربعة ايام، كتاب واحد    Seven Poets, Four Days, One Book) ، يضم قصائد ذات 15 بيتا للشعراء السبعة وتقوم التجربة،  بمساهمتهم بكتابة بيت واحد ، حتى تكتمل القصيدة التي تقرأ، بصوت عال، امام الجميع، و تسجل الافكار و الصور والحوارات بصددها لتكتب القصيدة التالية،على وفق نسيج مماثل، في غضون نصف الساعة اللاحق و قد سبق العمل الجماعي،  جلسات حوارية مسائية، اقترحت الافكار و الصور و بعض الابيات خلالها و الشعراء هم : توماز شلامون (سلوفينيا)، و استيفان لازلو كيهر(هنغاريا)، و سيمون انكوانيز (مالطة)، و كسينيا كولوبوفيتش (روسيا)، و من امريكا كل من مارفن بل ، و دين يونك ، و كرستوفر ميريل...

Unlimited Free Image and File Hosting at MediaFire


وقد عمل ميريل جاهدا في الترويج لكتاب هام ليسمع القراء الامريكان اصواتا شعرية مختلفة من (محورالشر) – الانطولوجيا التي حملت عنوان (أدب من محور الشر: كتابات من ايران و العراق و كوريا الشمالية   
Literature from Axis of Evil: Writings from Iran, Iraq and North Korea) و فيه قصائد لصلاح الحمداني و شيركو فتاح و محسن الرملي و سعدي يوسف...



Unlimited Free Image and File Hosting at MediaFire




              تعتبر مَجْمُوعَته الشعرية الاولى) دفتر الواجبات Workbook - 1988)- كما يقول ديفيد سانت جون - قَصَائِدُ احْتِفَالِيَّةٌ وَخُرَافِيَّةٌ لِلنَّشْأَةِ الذَّاتِيَّةِ،  فيها من الكثافة النفسية الشيء الكثير ينم  عَن ِسُّرْيَالِيَّةِ و رِّثَائِيَّةِ  عميمة – هي ْقَصَائِدُ تُلاَمِسُ العَجْزعَنِ التَّوَاصُلِ الْحَقِيقِيِّ و هو قلق يشوب كُلِّ أَعْمَالِ "ميريل" ولعل   قَصِيدَته الْخِتَامِيَّةُ "الْبَحْر" تستوقفنا بما تُتِيحُ لَنَا تَعَازِيَ الطَّبِيعَةِ بتجدّدها حيث مَذَاقَ الإِنْسَانِ الْمَالِحِ كَالْبَحْرِ- بَيْنَمَا يَتَعَرَّضُ الْعَالَمُ لِفَقْدِ سُكَّانِهِ، كُلَّمَا اصْطَدَمُوا بِفَقْدِ بَعْضِهِمِ الْبَعْضَ اما اسْتِمْرَارُ الْعَوْدَةِ فيها فيُشْبِهُ الْمَوَاسِمَ وقت حصاد الأَمَلِ الْمَصِيرِيّ بينما مَجْمُوعَته الثَّانِيَة (حُمَّى وامواج  Fevers and Tides- 1989) فهي تأملات فِي الرُّوحِ الإِنْسَانِيَّةِ، وَأعجازها وَحِكْمَتِهَا وَوُضُوحِ رُؤْيَتِهَا* تسير بمنحى سردي  يكْشِفُ دهاليز الروح المضطربة ثم توالت اصدارات الشاعر بين الشعر او الدراسة او الترجمة لتبلغ اكثر من عشرين كتابا من بينها (اللغة المنسية: شعراء معاصرون و الطبيعة - 1991) و (من ذلك النائي القريب: جورج اوكيفي كأيقونة- 1992) و (الجسر العتيق: حرب البلقان الثالثة و عصر اللاجئين - 1995) و (غابة الاشجار المتكلمة: مقال في الشعر-1996) و (فقط تبقى المسامير: مشاهد من حروب البلقان -1999) و (الماء الوضاء: قصائد -2001) و (أشياء عن الرب المستتر: رحلة الى الجبل المقدس -2005 ) و غيرها




             حصد ميريل الكثير من الجوائز لعل ابرزها جائزة جامعة ايوتا الامريكية للاعوام (1986-1987) جائزة جون سياردي للشعر (1989)، جائزة مؤسسة انغرام ميريل للشعر (1991)، جائزة اختيارات القراء للشعر (1992)، جائزة الاكاديمية الامريكية للشعراء  (1993)، جائزة وزارة الثقافة السلوفانية للترجمة (1997)، الجائزة السنوية  لجمعية كتاب البوسنا في الادب (2001)


قصيدتان



  طفولة


الصُّحفُ جَرَّحَتِ اليَنبُوعَ؛
والكَلمَاتُ التَفَّتْ في الدَّوَّامَاتِ؛
بأَشكَالٍ رَماديَّةٍ - لِصٌّ مَيتٌ، والرَّئيسُ وزَوجَتهُ،
وسِبَاقَانِ للخُيولِ - عَامُوا في المَاضِي
............
يُمَوِّجون الماءَ البَطيءَ حتَّى الشَّمس، مِثلَ رَجُلٍ
بِسكِّينٍ، يُقطِّعُهُم إِرَبًا



. . .
........ 


-2- الغَوَّاص

تَوَازَنَ عَلى حَافَّةِ الرَّصيفِ
عِندَما ظَهَرتْ كَلمةٌ مَثلَ قَمَرٍ، تَجَمَّعَ في الغُيومِ،
وتَحرَّكَ فَوقَ يَدَيْهِ وعُيونِهِ - قَفَزَ
عَالِيًا وخَارِجًا، دَسَّ سَاقَيْهِ ورَأسَهُ
في صَدَفَةِ جَسَدِهِ، وانقَلَبَ
إِلى الخَلفِ
............






الهوامش
*Christopher Merrill, Why the Grass Whispered Again? Poetry Selections from: Watch Fire Translated by: Mohammad H. Risha.








*أكاديمي عراقي